عبد القادر الجيلاني
52
فتوح الغيب
--> - تعالى : أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [ الفرقان : 43 ] . قال الحسن : هو المنافق لا يهوى شيئا إلّا ركبه . وقال تعالى : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [ القصص : 50 ] . وقال عمر بن عبد العزيز : لا تكن ممّن يتّبع الحق إذا وافق هواه ، ويخالفه إذا خالف هواه ، فإذا [ في نسخة : فكذا ] أنت لا تثاب على ما اتّبعته من الحق ، وتعاقب على ما خالفته . وهو كما قال رضي اللّه عنه ؛ لأنه في الموضعين إنّما قصد اتّباع هواه لم يعمل للّه . ألا ترى أن أبا طالب نصر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وذبّ عنه أكثر من غيره ، لكن فعل ذلك لأجل القرابة ، لا لأجل اللّه تعالى ، فلم يتقبّل اللّه ذلك منه ، ولم يثبه على ذلك ؟ ! . وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنه أعانه بنفسه وماله للّه ، فقال اللّه فيه : وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ( 17 ) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ( 18 ) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ( 20 ) وَلَسَوْفَ يَرْضى [ الليل : 17 - 21 ] . والقسم الثالث : الذي يريد تارة إرادة يحبّها اللّه ، وتارة إرادة يبغضها اللّه . وهؤلاء أكثر المسلمين فإنهم يطيعون اللّه تارة ، ويريدون ما أحبّه ، ويعصونه تارة ، ويريدون [ في نسخة : فيريدون ] ما يهوونه ، وإن كان يكرهه . والقسم الرابع : أن يخلو عن الإرادتين ، فلا يريد للّه ولا لهواه ، وهذا يقع لكثير من الناس في بعض الأشياء ، ويقع لكثير من الزّهّاد والنّسّاك في كثير من الأمور . وإمّا خلو الإنسان عن الإرادة مطلقا فممتنع ، فإنه مفطور على إرادة ما لا بدّ له منه ، وعلى كراهة ما يضرّه ويؤذيه ، والزاهد الناسك إن [ في نسخة : إذا ] كان مسلما فلا بدّ أن يريد أشياء يحبها اللّه ، مثل : أداء الفرائض ، وترك المحارم ، بل وكذلك عموم المؤمنين لا بدّ أن يريد أحدهم أشياء يحبّها اللّه ، وإلا فمن لم يحب اللّه ، ولا أحبّ شيئا للّه ، فلم يحب شيئا من الطاعات ، لا الشهادتين ولا غيرهما ولا يريد ذلك ، فإنه لا يكون مؤمنا ، فلا بد لكل مؤمن من أن تكون له إرادة لبعض ما يحبه اللّه . وأمّا إرادة العبد لما يهواه ولا يحبه اللّه ، فهذا لازم لكلّ من عصى اللّه ، فإنه أراد المعصية واللّه لا يحبّها ولا يرضاها . وأما الخلو عن الإرادتين المحمودة والمذمومة فيقع على وجهين : أحدهما : مع إعراض العبد عن عبادة اللّه تعالى وطاعته وإن علم بها ، فإنه قد يعلم كثيرا من الأمور أنه مأمور بها ، وهو لا يريدها ، ولا يكره من غيره فعلها ، وإذا اقتتل المسلمون والكفار لم يكن مريدا لانتصار هؤلاء الذي يحبه اللّه ، ولا لانتصار هؤلاء الذي يبغضه اللّه . والوجه الثاني : يقع من كثير من الزّهّاد العبّاد الممتثلين لما يعلمون أن اللّه أمر به المجتنبين لما يعلمون أن اللّه نهى عنه ، وأمور أخرى لا يعلمون أنها مأمور بها ولا منهيّ عنها ، فلا يريدونها ولا يكرهونها لعدم العلم ، وقد يرضونها [ في نسخة : ويرضون بها ] من جهة كونها مخلوقة مقدرة ، وقد يعاونون عليها ، ويرون [ في نسخة : ويريدون ] هذا موافقة للّه ، وأنهم لمّا خلوا عن هوى النفس كانوا مأمورين بالرضا بكل حادث ، بل والمعاونة عليه . وهذا موضع يقع فيه الغلط ، فإنّ ما أحبّه اللّه ورسوله علينا أن نحب ما أحبّه اللّه ورسوله ، وما أبغضه اللّه ورسوله ، فعلينا أن نبغض ما أبغضه اللّه -